عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

183

اللباب في علوم الكتاب

المرخّصة والخاصّ متقدّم على العامّ ، وعن الوجوه القياسيّة بأنه يمكنه الوصول إلى استباحة هذه « 1 » الرخص بالتّوبة ، فإذا لم يتب ، فهو الجاني على نفسه ، ثم تعارض هذه الوجوه : بأنّ الرخصة إعانة على السّفر ، فإذا كان السّفر معصية ، كانت الرخصة إعانة على المعصية ، والمعصية ممنوع منها ، والإعانة سعي في تحصيلها ؛ فالجمع بينهما متناقض « 2 » . فصل في اختلافهم في اختيار المضطرّين المحرّمات اختلفوا في المضطرّ ، إذا وجد كلّ ما يضطرّ من المحرّمات . فالأكثرون على أنّه مخيّر بين الكلّ ، ومنهم من قال : يتناول الميتة ، دون لحم الخنزير ويعد لحم الخنزير أعظم في التّحريم . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 174 ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 174 ) قال ابن عبّاس : نزلت في رؤوس اليهود : كعب بن الأشرف وكعب بن أسد ، ومالك بن الصيف ، وحييّ بن أخطب ، وأبي ياسر بن أخطب ؛ كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا ، وكانوا يرجون أن يكون النبيّ المبعوث منهم ، فلما بعث محمّد عليه الصّلاة والسّلام من غيرهم خافوا انقطاع تلك المنافع ؛ فكتموا أمر محمّد صلى اللّه عليه وسلم بأن غيّروا صفته ، ثم أخرجوها إليهم ، فإذا ظهرت السفلة على النّعت المغيّر ، وجدوه مخالفا لصفته صلى اللّه عليه وسلم ، فلا يتبعونه ، فأنزل اللّه تبارك وتعالى هذه الآية « 3 » . قال القرطبيّ « 4 » : ومعنى « أنزل » : أظهر ؛ كما قال تعالى : وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ [ الأنعام : 93 ] أي : سأظهر وقيل : هو على بابه من النّزول ، أي : ما أنزل به ملائكته على رسله . قوله : « من الكتاب » : في محلّ نصب ، على الحال ، وفي صاحبها وجهان : أحدهما : أنّه العائد على الموصول ، تقديره : « أنزله اللّه » حال كونه « من الكتاب » فالعامل فيه « أنزل » . والثاني : أنه الموصول نفسه ، فالعامل في الحال « يكتمون » . قوله : « وَيَشْتَرُونَ بِهِ » : الضمير في « به » يحتمل أن يعود على « ما » الموصولة ، وأن يعود على الكتم المفهوم من قوله : « يكتمون » ، وأن يعود على الكتاب ، والأوّل أظهر ،

--> ( 1 ) في ب : تلك . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 21 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 23 ، البغوي 1 / 141 . ( 4 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 157 .